أبي منصور الماتريدي
219
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
حجج مذهب الحق قبل أن يبين له فساد ما هو فيه ؛ فإن ذلك لا ينجع فيه ، ولا يدعوه إلى قبول الحق والتزامه ، بل يبين له قبح ما هو فيه وفساد ما اعتقده ، فإذا بان له ذلك يحتاج إلى أن يسأله عن سبيل الهدى فيه ؛ ليعرفه بالتعلم . ثم الأصل أن الدنيا هي سبيل الآخرة ، والضلال سبيل يفضي بمن سلكه إلى العذاب الدائم ، والهدى سبيل يفضي إلى الثواب الدائم ، فالنذارة هي تبيين ما ينتهي إليه عاقبة من يلزم الضلال ، والبشارة هي تبيين ما ينتهي إليه عاقبة من يلزم الهدى . وإن شئت قلت : إن النذارة هي أن يبين عسر ما يحل به في العاقبة ، والبشارة هي أن يثبته بما يصير إليه في العاقبة من اليسر . ثم في قوله - عزّ وجل - : أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ دلالة أن حجة الإسلام تلزم « 1 » الخلق قبل أن يأتيهم النذير ؛ لأنه لو كانت لا تلزمهم ، لكانوا في أمن من نزول العذاب قبل أن يأتيهم النذير ؛ فلا يخوفون « 2 » بنزل العذاب بهم قبل أن ينذروا ، فلما خوفوا بنزول العذاب بهم قبل أن يأتيهم النذير دل أن الحجة لازمة عليهم ، وأن لله تعالى أن يعذبهم لتركهم التوحيد وإن لم يرسل إليهم الرسل ، فيكون تأويل قوله - عزّ وجل - : وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [ الإسراء : 15 ] على عذاب الاستئصال في الدنيا ليس على عذاب الآخرة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ : أي : مبين بما يقع به الإنذار والتخويف ؛ فيكون الإبانة منصرفة إلى النذارة . ويحتمل أن يكون هذا الوصف راجعا إلى نفسه خاصة ؛ كأنه قال : نذير لكم مبين ، أي : إني لم أقم في دعائي إياكم إلى عبادة الله تعالى وإنذاركم من عند نفسي ، ولكن بما اختصني الله تعالى وولاني ذلك . ثم الأصل في الإنذار [ أن يقتضي ] نهيا وفي النهي [ أن يقتضي ] أمرا ، لكن الإنذار يقتضي نهيا وكيدا ، والنهي الوكيد يقتضي الأمر بالخلاف أمرا وكيدا . وأما البشارة فهي تقتضي الأمر الوكيد وغير الوكيد ؛ لأنه يستوجب البشارة بكل خير يفعله ، وإن كان للمرء ترك ذلك الخير بخير آخر يأتي به ، فلا يفهم بنفس البشارة الأمر الوكيد ؛ ويفهم بتصريح النذارة كلا الوجهين اللذين ذكرناهما . وإذا كان كذلك ، فمطلق البشارة لا يدل على تحقيق النذارة ، وأما النذارة فهي تدل على
--> ( 1 ) في أ : دلالة أن حجته لأن يلزم . ( 2 ) في أ : يخافونهم .